حروب المنطقة .. البيئة “ضحية صامتة” والصحة “فريضة غائبة” (2/4)

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 3 نوفمبر 2016 - 7:37 مساءً
حروب المنطقة .. البيئة “ضحية صامتة” والصحة “فريضة غائبة” (2/4)
مركز دراسات البيئة والصحة
Advert test

خطة أمريكية ممنهجة لتدمير البيئة السورية  

 

  • بعد أن تحولت سوريا إلى حقل تجارب للأسلحة الدولية .. البيئة تدفع الثمن بشكل مباشر
  • النظام السوري يستخدم أسلحة محرمة بمباركة دولية أبرزها الغازات السامة والقنابل المسمارية
  • الأسد يعشق “البراميل المتفجرة” وعدد القاذفات وصل إلى أكثر من 5 آلاف في عامين
  • “خزانات الوقود” تترك آثار بيئية وصحية خطيرة تمتد آثارها لسنوات قادمة
  • البنية التحتية والمستشفيات والمنشآت الطبية أبرز أهداف الغارات الجوية لقوات الأسد
  • روسيا تستخدم “القنابل العنقودية” وهي أخطر الأسلحة تأثيراً على البيئة والبشر
  • تدمير الصرف الصحي وتصريف المواد المشعة إلى التربة حول الأرض السورية إلى مقبرة للنفايات القذرة
  • الألغام والقنابل تجعل التربة السورية غير قابلة للزراعة مرة أخرى
  • مستويات التلوث وصلت إلى مستويات قياسية بصورة دمرت السلسلة البيئة والأراضي الزراعية
  • مياه الصرف الصحي تروي 50% من الأراضي الزراعية وهو ما يهدد بانتشار الأمراض الخطيرة
  • المواد المشعة وتسرب النفط انعكس سلباً على تركيب التربة والكائنات الدقيقة فيها
  • “القتل البطيء” حرق النفايات جعل الهواء مشبع بكميات كبيرة من الانبعاثات المسرطنة
  • التشوهات الخلقية والولادة المبكرة والإجهاض أثار مباشرة لاستخدام مواد محرمة دولياً في سوريا
  • تلوث البيئة جعل السرطان ينهش في أجساد السوريين والمجتمع الدولي “نائم”

لاشك في أن الحروب والنزاعات المسلحة لا تترك آثارها على الإنسان وحده، وإن كان الاهتمام الدولي  ينصب بالدرجة الأولى على ضرورة حماية الإنسان، فإن هناك ضحية صامتة وغائبة عن الصورة لدى الكثيرين، والتي تتضح آثارها ومخاطرها فيما بعد، ألا وهي البيئة التي تقدم للإنسان الغذاء والمأوى والصحة، وتستمر آثار تدميرها وتلويثها وتغيير تكوينها ربما لأجيال عديدة، إذن تدفع البيئة الثمن بصورة أكبر من بكثير من الإنسان نفسه.

وإذا كانت الأزمة السورية مقعدة بل وشديدة التعقيد، فإن حال البيئة السورية هو الآخر لا يقل عنها تعقيداً، والمثير في الأمر أن المجتمع الدولي بكل مكوناته لم يلتفت إلى هذه المشكلة الخطيرة، فمثلاً إذا وضعت الحرب السورية أوزارها اليوم، فكيف المواطن في بيئة نالت من التلوث والإشعاعات ما نالت، وكيف سيعيد التربة والغابات والأشجار إلى نصابها الطبيعي، بلاشك قد يستغرق الأمر سنوات طويلة قادمة.

وتدخلت روسيا في سوريا للحفاظ على وحدة الأرض السورية والتصدي للمخططات الأمريكية والغربية وللتصدي كذلك لتنظيم “داعش” المتطرف، المعروف بكونه صناعة غربية وأمريكية بإمتياز.

تلك هي المأساة التي تعيشها ليس فقط سوريا ولكن أيضاً كل مناطق النزاعات في الشرق الأوسط، وهو نفس الشيء في ليبيا والعراق واليمن، وهو ما نفرد لكل دولة منها تقرير منفصل.

1

بعد أن تحولت سوريا إلى حقل تجارب للأسلحة الدولية .. البيئة تدفع الثمن بشكل مباشر

نبدأ أولاً من الإحصاءات الخاصة بعدد وأنواع الأسلحة التي تستخدم في سوريا على مدار خمس سنوات، منذ أن بدأت الثورة في عام 2011، وكيف تدفع البيئة الثمن بشكل مباشر، لا يقل عن الثمن الذي يدفعه المواطن السوري سواء في الداخل أو الشتات، حيث تحولت إلى حرب تجارب لأسلحة نظام بشار الأسد وبطبيعة الحال داعمته إيران، وكذلك الأسلحة الروسية، التي تدخلت لإنقاذ النظام السوري في آخر لحظة، وكذلك الأسلحة الأمريكية، التي وجدت في ما يطلق عليه “الحرب على الإرهاب” غايتها، حتى تحولت سوريا إلى ساحة حرب عالمية، تئن فيها البيئة والتربة من هول ما تلقفته وذخرت به أرضها من أسلحة وقذائف شديدة التدمير والخطورة.

2

النظام السوري يستخدم أسلحة محرمة بمباركة دولية أبرزها الغازات السامة والقنابل المسمارية

 تستخدم قوات نظام الأسد مختلف صنوف الأسلحة في ترسانتها الحربية ضد المدن والبلدات السورية الثائرة، ومن بين تلك الأسلحة أنواع محرمة دوليًّا مثل القنابل المسمارية والغازات السامة والبراميل المتفجرة، كما يقول ناشطون.

وتتعدد الأسلحة التي يستخدمها النظام السوري لقمع الثورة المطالبة بإسقاطه، من الصواريخ على اختلافها إلى الطائرات والمدرعات بأنواعها.

وبعض تلك الأسلحة التي لا يتورع النظام عن استخدامها ضد المدن والأحياء السورية محرم استخدامه دوليًّا حسب الاتفاقات، كالغاز الذي يشل الأعصاب والذي يسبق قوات النظام إلى أحياء حمص تمهيدًا لاقتحامها.

كذلك القنابل المسمارية التي تصنَّف عالميًّا على أنها أسلحة مضادة للأفراد، ويعد استخدامها جريمة حرب بموجب الاتفاقات الدولية، وهي قنابل من عيار 120 ملم، وتحوي في داخلها آلاف المسامير أو القطع الحديدية بطول نحو 3 سنتيمترات، وتقذف عادة بالمدفعية أو الدبابات، وعند انفجارها تنطلق السهام الحديدية التي بداخلها عشوائيًّا على اتساع 300 متر مربع.

كما يستخدم النظام أنواعًا من القذائف الحارقة التي تؤدي إلى تشويه المصابين بها، وعادة ما تحوي الفسفور الأبيض والثريمت والنابالم.

3

أما صاروخيًّا وللمدى البعيد فيستخدم النظام صورايخ سكود الهجومية التي تصل إلى أهداف على بعد يصل إلى 700 كيلومتر.

وجوًّا تُقصف الأحياء والمدن السورية بأنواع من المروحيات روسية الصنع من طراز MI بأنواعها، بالإضافة إلى المقاتلات الحربية مثل الميغ 29، والسوخوي 24 القادرة على حمل أطنان من القنابل في كل طلعة.

كل ذلك، بالإضافة إلى الدبابات روسية الصنع بأنواعها، وناقلات الجند المدرعة بكل ما فيها من عناصر مزوَّدة بمختلف صنوف الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

4

الأسد يعشق “البراميل المتفجرة” وعدد القاذفات وصل إلى أكثر من 5 آلاف في عامين

اعتمد الأسد “البراميل المتفجرة” كسلاح رئيسي في حربه على السوريين لأنه رخيص وفتاك بالآن ذاته، وهو سلاح بدائي ومخصص لقتل البشر وتدمير المدن فقط، إذ لا فائدة عسكرية له لأن البرميل المتفجر البدائي الذي يستخدمه النظام هو قذيفة عشوائية غير متحكم بها، وهذه القنابل البرميلية الفتاكة لا يمكن توجيهها أو التحكم بمسارها.

في المرحلة الأولى من استخدامه كانت مروحيات النظام ترمي براميلها من على ارتفاعات منخفضة، مما كان يحقق لها احتمالاً أكبر في إصابة الهدف المنشود. ولكن مع تصدي الثوار لهذه المروحيات وإسقاط عدد منها، عمد النظام إلى رمي براميله القاتلة من ارتفاعات أكبر تصل إلى 3000 متر، وهذا يجعل عملية إسقاط البراميل عشوائية تماماً.

قالت الشبكة السورية لحقوق الانسان في تقرير لها صدر مؤخراً بعنوان ” استخدام القنابل البرميلية في ظل الذكرى السنوية للقرار 2139 .. عندما يعجز مجلس الأمن عن تنفيذ قراراته”: إن النظام قام بقصف مختلف المدن والقرى السورية بما لا يقل عن 5150 برميل متفجر (قنبلة برميلية اسطوانية الشكل) منذ شهر أكتوبر 2012 حتى 20 فبراير 2015 وارتقى نتيجة لذلك أكثر من 12194 شهيداً أكثر من 50% منهم من النساء والأطفال.

وكانت أول مرة استخدم بها النظام البراميل المتفجرة في 1 أكتوبر 2012 حين قامت مروحياته باستهداف مدينة سلقين بريف ادلب حيث قصف بناءاً سكنياً من طابقين ببرميل متفجر ما تسبب بسقوط 32 شهيداً منهم 7 نساء و7 أطفال.

وانتظر مجلس الأمن أكثر من عام ونصف ليخرج بالقرار رقم 2139 في 22 فبراير 2014 الذي أدان فيه استخدام البراميل المتفجرة مطالباً بالتوقف عن استخدامها، لكن النظام (بدعم روسي وتحريض إيراني) لم يتوقف عن استخدامه لهذا السلاح المدمر، وتقول الشبكة إن عدد الشهداء نتيجة استهدافهم بالبراميل منذ صدور قرار مجلس الأمن وحتى 20 شباط 2015 بلغ 6480 شهيداً أكثر من نصفهم من النساء والأطفال.

5

“خزانات الوقود” تترك آثار بيئية وصحية خطيرة تمتد آثارها لسنوات قادمة

ويستعمل النظام الفتيل كأداة لتفجير حشوة البرميل ولكن يبدو واضحاً أن هذا الفتيل يتم اختياره اعتباطياً دون دراسة الارتفاعات التي يتم إلقاء البرميل منها أو سرعة الرياح وسرعة الاشتعال ما يؤدي أحياناً لانفجار البرميل قبل أن يصل للأرض وأحيانا يتأخر فيرتطم بالأرض قبل أن ينتهي الفتيل ما يؤدي إلى تمزق البرميل وفي أحيان كثيرة لا ينفجر.

ولكن النظام، لم يترك أسلوباً أو طريقة لمضاعفة التأثير المدمر لبراميله إلا واستخدمها، فهو يستخدم أحيانا خزانات الوقود للحصول على ما يعرف بـ ” A fuel-air explosive (FAE) ” حيث يتم تزويد الخزان بعبوتين ناسفتين، عند انفجار الأولى تسمح للوقود بالخروج والامتزاج مع الأوكسجين والانتشار بالمكان المقصود ثم يأتي انفجار العبوة الثانية مما ينشأ عنه انفجاراً هائلاً وضغطاً كبيراً بحيث تدمر موجة التدمير المباني المحيطة وتقتل كل إنسان في المنطقة المستهدفة.

يعود هذا التباين بين حجم وطريقة تفجير القنابل البرميلية وقياساتها، وحتى الحشوة المعدنية المستخدمة فيها، إلى تعدد الجهات المصنعة نظراً لسهولة تصنيعه ونمطه البدائي، حيث أن تصنيع هذه البراميل هو بيد ميليشيات الشبيحة والمرتزقة العراقيين.

وقد استخدمت أمريكا هذا النوع من القنابل في حربها على فيتنام، كما استخدمها الاتحاد السوفييتي في حربه على أفغانستان، وتعمل روسيا منذ ذاك على تطوير هذه القنابل وإنتاج أجيال جديدة منها أكثر فعالية، وقد استخدمتها في حربها على الشيشان.

البنية التحتية والمستشفيات والمنشآت الطبية أبرز أهداف الغارات الجوية لقوات الأسد

نشرت منظمة “هيومان رايتس ووتش” يوم الثلاثاء 24 فبراير 2014 تقريراً عن استمرار النظام باستخدام سلاح البراميل المتفجرة وقالت المنظمة في تقريرها إنها قامت بتوثيق هجمات متكررة بالبراميل المتفجرة منذ تبني قرار مجلس الأمن رقم 2139 في 22 فبراير 2014 “في حلب ودرعا استهدفت منشآت طبية أو أماكن قريبة منها، ومناطق سكنية فيها مدارس ومساجد وأسواق ولا توجد بقربها أي أهداف عسكرية واضحة “.

وأوضحت: “تتميز هذه القنابل شديدة الانفجار وغير الموجهة بتكلفتها الزهيدة، وهي محلية الصنع، وعادة ما تتركب من براميل كبيرة للنفط، واسطوانات للغاز، وخزانات مياه مليئة بمواد شديدة الانفجار وأجزاء من الخردة المعدنية، ويتم إلقاؤها من المروحيات، التي تحلق عادة على مستوى منخفض”.

6

روسيا تستخدم “القنابل العنقودية” وهي أخطر الأسلحة تأثيراً على البيئة والبشر

في الوقت الذي أكدت فيه منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية أن روسيا استخدمت نوعاً متقدماً من القنابل العنقودية في قصف مناطق في حلب السورية، أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة، بأن بلاده أظهرت في سوريا أنها قادرة على استخدام أسلحة متطورة إذا تطلبت مصالحها ذلك.

وكانت المنظمة الحقوقية أفادت بأن صورا ومقاطع فيديو منشورة على الإنترنت تظهر استخدام قنابل عنقودية من طراز “أس.بي.بي.إي” في غارة استهدفت محيط بلدة كفر حلب التي تسيطر عليها الفصائل المقاتلة في ريف حلب الجنوبي الغربي يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

ورجّحت المنظمة في تقرير لها أن تكون الطائرات الروسية هي التي استخدمت هذه القنابل، أو أن تكون موسكو وفرت هذه القنابل لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، مبدية قلقها من أثر استخدام هذه الأسلحة على المدنيين في السنوات القادمة.

وتطلق تلك القنابل العنقودية عبر مظلات، وهي مصممة لتدمير عربات مدرعة عبر إطلاق كتل معدنية متفجرة بعد تحديد الأهداف بنظام رصد معين، وفق المنظمة.

وتحدثت هيومن رايتس ووتش عن “صور وأشرطة فيديو تظهر تجدد إطلاق القنابل العنقودية من الجو، فضلاً عن استخدام صواريخ محملة بذخائر عنقودية كجزء من العملية السورية الروسية المشتركة في شمال سوريا”.

وإلى جانب القنابل العنقودية فإن روسيا تستخدم أنواع شديدة الخطورة من الأسلحة في سوريا، التي ستترك آثارها على البيئة والصحة السورية لعقود طويلة، لعل أبرزها: سوخوي سو 30، وسوخوي سو 34، ودبابات تي 90 القتالية.

7

تدمير الصرف الصحي وتصريف المواد المشعة إلى التربة حول الأرض السورية إلى مقبرة للنفايات القذرة

تقول الأكاديمية السورية، الدكتورة سميرة مبيض، إن دراسة آثار الحرب على البيئة تكشف آثار أخرى عديدة تتضمن تدمير البنية التحتية وما ينتجه ذلك من تصريف المواد الكيميائية والمشعة من المصانع أو المنشآت والمخازن، تلوث المياه في حال تدمير نظم معالجة مياه الصرف الصحي، حدوث فيضانات أو جفاف للأرض بعد تدمير السدود وأنظمة الري بالإضافة الى آثار حرق آبار النفط، والتي تؤدي بمجملها إلى أضرار كبيرة تلحق بالثروات الطبيعية بالإضافة إلى آثار المواد الكيميائية الناتجة عن استخدام الأسلحة والآليات المسلحة حيث تستخدم الدبابات والمدفعيات مادة ثنائي الفينيل متعدد الكلور في أنظمتها الهيدروليكية و هي مادة من الملوثات العضوية الثابتة. أما الآثار الناجمة عن الأسلحة ذاتها فان الرصاص العادي وصواريخ الدبابات تحتوي على اليورانيوم .

8

الألغام والقنابل تجعل التربة السورية غير قابلة للزراعة مرة أخرى

كما أن المتفجرات هي مركبات النيتروجين العضوية والتي تحتوي على الزئبق في بعض الأحيان . بالإضافة إلى ذلك، تعيق الألغام والقنابل التي لا تنفجر أثناء القتال استخدام مساحات واسعة من الأراضي بعد نهاية الحرب. كما تعتبر العواقب الاقتصادية لهذا الدمار البيئي هائلة أيضا، كمثال عن الديون البيئية التي تخلفها الحرب فان تكلفة تنظيف 1 كيلومتر من الأراضي من مخلفات حرق النفط تصل الى حوالي مليون دولار كما يكلف نزع كل لغم أرضي حوالي 250 دولار.

تشمل هذه الآثار البيئية أيضا الآثار الصحية الناجمة عن التعرض للمنتجات الخطرة، مثل استنشاق الدخان المنبعث من حرق حقول النفط أو غبار اليورانيوم، مما يسبب الربو والسرطان الرئة. كما يؤدي تدهور الشروط الصحية الى انتشار أو اعادة ظهور أمراض تمت السيطرة عليها سابقا مثل شلل الأطفال والكوليرا وغيرها.

كمثال عن خسائر سورية الطبيعية نشير هنا الى أشجار البطم التي ذكرت في وثائق مملكة ايبلا التي تعود الى الألف الثالث قبل الميلاد، حيث تظهر هذه الوثائق أهميتها الاقتصادية في تلك الحقبة و الاستخدامات الطبية للراتنج واستخدام النسغ كبخور.

9

مستويات التلوث وصلت إلى مستويات قياسية بصورة دمرت السلسلة البيئة والأراضي الزراعية

ويمكن القول أن الأزمة السورية المركبة أنتجت كارثة مركبة على المستوى البيئي، كل التقارير تتحدث عن وصول الملوثات إلى مستويات قياسية، في وقت حولت “حراقات” النفط التي تستخدمها “داعش” لإنتاج بعض المشتقات سماء المناطق الشرقية إلى السواد، وأدت إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية السورية، وإلى انقراض أصناف من المزروعات والحيوانات كانت تعتبر أساسية في السلسلة البيئية في تلك المناطق.

وتسيطر الميليشيات على عدد كبير من السدود السورية، ما حرم مناطق زراعية واسعة من المياه، وفي مناطق جنوب سوريا، قامت العصابات المسلحة بإغلاق قنوات الري القائمة على نهري بانياس واليرموك، وتحويلها إلى بحيرة طبريا في الجولان المحتل، حيث يستفيد العدو الاسرائيلي من ارتفاع منسوب المياه لتوفير مياه الشفة والري بشكل رئيسي لمستوطناته ومدنه.

ويعد التلوث الكيميائي من أخطر الكوارث التي تطاول البيئة السورية، ويؤكد خبراء أن المياه المرافقة للنفط الذي يستخرجه داعش تعتبر ملوثة إشعاعياً، ويجري التخلص منها عادة  أثناء عملية الإنتاج القانوني عبر إعادة حقنها في الآبار، في وقت يرميها تنظيم داعش في نهر الفرات. وتحتاج سوريا إلى استثمارات هائلة لإعادة استزراع الغابات، بعدما تراجعت مساحتها التي كانت تغطي 232.8 ألف هكتار قبل اندلاع الأزمة، وأدت الفوضى والحرب إلى خسارة أكثر من 40 ألف شجرة.

10

مياه الصرف الصحي تروي 50% من الأراضي الزراعية وهو ما يهدد بانتشار الأمراض الخطيرة

ذكرت خبيرة البيئة والتنوع الحيوي، عروب المصري، أن نسبة الصّرف الصحّي ضمن مياه السّقي في المناطق الزراعية بسورية “تقارب الـ 50 %، إذ إن مياه الصرف الصحي لا تزال تستخدم في الزراعة حتى اليوم الحالي، خاصّة في ظل انعدام الرقابة الحكومية، وخروج الكثير من محطات المعالجة والتحليل عن الخدمة”.

وتضيف المصري أنّ ما زاد الأمر سوءاً، هو تعرّض العديد من الأرضي، خلال الحرب السورية، إما للعطش، أو للغرق، نتيجة انعدام نظام توزيع المياه، المعتمد سابقاً، والمعروف باسم “نظام العدّان”.

بينما يشير مدير التسويق في وزارة الزراعة في حكومة النظام، محمد مهند الأصفر، إلى أنّ مياه الصّرف الصحي تحمل أضراراً كثيرة للتربة، “فهذه المياه تحتوي على مواد سامّة وثقيلة يصعب تحللها، مثل الرصاص والزرنيخ وغيرهما، ما يؤثر في ديمومتها. ومن الممكن أن يرتفع تركيز هذه المواد في المزروعات بأرقام تزيد على المسموح به دولياً وطبياً، ما يسبب الكثير من الأمراض الداخلية، بالإضافة إلى اللاشمانيا”.

إضافة إلى أنّ ذلك يضعف القدرة التسويقية للمحاصيل الزراعية، فالمزروعات المروية بمياه الصرف الصحي، يتغير طعمها وشكلها وصلابتها، “الأمر الذي يضعف كفاءتها التخزينية والتصديرية وبالتالي تتدنّى قيمتها، ولا يمكن مقارنتها مع المنتجات السليمة التي تروى بالمياه العذبة، وهذا بدوره يؤثر في العائد المادّي للمزارع”.

ولاشك في أن المشاكل التي تعاني منها شبكات الصرف الصحي، في بعض المناطق، تؤرق سكان دمشق، وتجعلهم مضطرين إلى غسل الخضر والفاكهة بطرق مختلفة، نظراً إلى المعلومات المؤكدة عن استخدام بعض الفلاحين المياه الملوّثة لريّ المزروعات، الأمر الذي من شأنه التسبب بأمراض شتى، ولا سيّما عند تناول الفرد للخضر الورقية، التي تؤكل طازجة دون طهي، وأبرز دليل على ذلك، حالات الإصابة بالتهاب الكبد.

وفي هذا السياق، تعد مزروعات الغوطة هي الأكثر ريّاً بالصرف الصحي، فالمزارعون فيها كانوا يستفيدون من المياه المعالجة في محطة عدرا، وهي مياه صالحة للري ومطابقة للمواصفة، لكنها كانت تتعرّض للتلوّث أثناء طريقها إلى المزارع، حيث إنها تمرّ عبر قنوات مكشوفة، بالإضافة إلى استخدام بعض الفلاحين المياه غير المعالجة الفائضة التي ترسل إلى منطقة العتيبة، ويضاف إلى هذا الأمر الاستخدام الجائر للأسمدة، رغم أن المياه الخارجة من عدرا لا تحتاج إلى الأسمدة، لأنها تضمّ مواداً تناسب الزراعة، والسماد يسهم بتلويث مياه الآبار.

لكن الوضع تغير اليوم، فمحطة عدرا لم تعد تعمل، وكذلك الأمر مع محطة النشابية التي كانت مهمتها فحص المياه، إذ أغلقت حالياً، وانتقل موظفوها إلى دمشق.

وبعد أن كانت تملك سوريا 18 مركزاً للبحوث الزراعية، تقلّص العدد اليوم، ليقتصر في العديد من المحافظات، على وحدات تتبع لهذه المراكز، كما هو الحال في ريف دمشق، فما زال هناك وحدة سرغايا، وقرحتا، وبيت تيما.

ويوضح خبراء أن الفلاحين “يلجأون إلى مياه الصرف الصحي في مواسم الجفاف، وعند توقف جريان الأنهار. ويعتمد ذلك على غزارة المياه المتدفقة في شبكات الصرف الصحي، وعلى نسبة الكثافة السكانية”.

بينما يستبعد رئيس اتحاد غرف الزراعة التابعة لحكومة النظام، محمد كشتو، اعتماد الفلاحين، هذا العام، على هذه المياه “بسبب غزارة المتساقطات المطرية التي فاقت المعدل، ولأن هذه المياه كانت تستخدم من فلاحي الغوطة، واليوم توقفت المحاصيل الزراعية القادمة من تلك المنطقة” على حد قوله.

ويضطر السكان في الغوطة الشرقية والتي يفرض عليهم النظام حصاراً خانقاً، ويقطع عنهم المياه منذ حوالي ثلاث سنوات إلى الاستعانة بمياه الصرف الصحي ومياه الآبار في ري مزروعاتهم، القليلة التي يقومون بزراعتها من أجل تأمين غذائهم، بعد أن منع عنهم النظام دخول المواد الغذائية والتموينية والطبية.

11

المواد المشعة وتسرب النفط انعكس سلباً على تركيب التربة والكائنات الدقيقة فيها

ويمكن التأكيد على أن الأمر في سوريا، لا يقتصر حالياً، على مشكلة الصرف الصحي والتلوث الناتج منه، لأن أراضي الغوطة الأكثر اعتماداً على هذه المياه، خرجت من الخدمة، والأراضي الأخرى التي كانت تغذي دمشق، وبقية المناطق، في غالبيتها تعاني ويلات الحرب المتنوعة، وأبرزها تسرّب النفط، وتشرّب المواد السامّة. حيث يؤكد الخبير البيئي، أكرم خوري، أن “الاعتداء على خطوط النفط وآباره وتكريره بطرق بدائية، انعكس سلباً على تركيب التربة نفسها وعلى الكائنات الدقيقة فيها، مثل البكتيريا والفطريات، وكذلك على جذور النباتات والحيوانات التي غمرها النفط وهي في جحورها”.

ويضاف إلى هذه الانبعاثات، الملوّثات الناتجة من حرائق الغابات والحرائق الناجمة عن استهداف خزانات الوقود في مصفاة حمص، وعمليات إحراق إطارات السيارات، إذ إنّ إحراق طن واحد من الإطارات، يؤدي إلى انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون يقدر بـ 2.45 طن مكافئ CO2.

الحرب اليوم في سوريا لم تدمّر سطح الأرض فقط، بل امتدت إلى تربتها وأعماقها، وقد لا يبقى التراب السوري، بعد الحرب، كما كان عليه قبل الحرب، ولن تكون منتجات سوريا، غداً، كما كانت بالأمس، ولا أحد يستطيع أن يقدّر المدّة الزمنية اللازمة لتتخلّص هذه الأراضي من أمراضها، وتعود كما كانت.

ارشيف

“القتل البطيء” حرق النفايات جعل الهواء مشبع بكميات كبيرة من الانبعاثات المسرطنة

ولاشك في أن حصار النظام لبعض المناطق في ريف دمشق وغيرها من المناطق أدى إلى تراكم النفايات بصورة كبيرة، مما اضطر السكان في بعض المناطق إلى حرق النفايات، لعدم قيام البلديات بترحيلها، وهو ما أسهم في زيادة الانبعاثات السامة والمسرطنة. وفي تقدير غير رسمي، بلغ حجم النفايات غير المرحلة في عام 2014 وحدها كمية 900 ألف طن.

كما أدى قصف النظام لبعض المناطق بالغازات السامة وغاز الكلور والمواد الكيميائية إلى انتشار التلوث. بالإضافة إلى الآثار السيئة التي تركها قصف النظام على كل المناطق من تدمير لشبكات المياه والصرف الصحي، وهو ما أدى إلى اعتماد السكان في كثير من الأحيان على استخدام مياه الآبار الملوثة، وهو ما ساعد على انتشار الأوبئة والأمراض، مثل التهاب الكبد وغيرها.

13

التشوهات الخلقية والولادة المبكرة والإجهاض أثار مباشرة لاستخدام مواد محرمة دولياً في سوريا

من جانبها، تؤكد الطبيبة صباح خضور، اختصاصية الأمراض النسائية،: “أن لتلوث البيئة وغياب نمط الحياة السليم والرعاية الصحية دور رئيسي في زيادة حالات التشوهات الخلقية وحالات الإجهاض والولادة المبكرة التي تعاني منها النساء في سوريا مؤخراً”. وبدوره، أعلن عميد كلية الطب في “جامعة دمشق”، صلاح الشيخة، في وقت سابق، أن نسبة التشوهات للأطفال حديثي الولادة ارتفعت في سوريا نحو 3%، مشيراً إلى وجود “مخاوف من ارتفاع هذه النسبة نتيجة لعدم وجود بيئة صحية وسليمة في بعض المناطق الشمالية والشرقية من سوريا”.

أحد سكان العاصمة دمشق، يلفت إلى أن زوجته في حملها بطفلها الثاني، تعرضت لثلاث حالات إجهاض متتالية، يقول: “نعيش في قلب العاصمة في منطقة مكتظة جداً بالسكان، وخالية من المساحات الخضراء التي تنقي الجو الذي يعبق بالمخلفات السامة للقصف والغازات. قد يكون لذلك تأثير مباشر على صحة زوجتي”. أما لينا، فلم تكتمل فرحتها بمولودها الأول، الذي توفي بعد عدة أيام من ولادته نتيجة لتشوهات خلقية مصاحبة للولادة، تقول: “منزلي في مدينة دير الزور قريب من محطة لتكرير النفط، لم أُعر ذلك الكثير من الأهمية لجهلي بتأثيرات تلك المواد على الصحة، لم تكتب لابني الحياة وتوفي على الرغم من محاولة الأطباء”.

14

تلوث البيئة جعل السرطان ينهش في أجساد السوريين والمجتمع الدولي “نائم”

يلفت أخصائيون إلى أن انتشار مرض السرطان في سوريا وزيادة أعداد الإصابات هي نتيجة طبيعية لتلوث البيئة بجميع أنواع الملوثات من أبخرة ومواد سامة ومؤكسدة تحفز على حدوث الطفرات في جسم الإنسان والإصابة بالمرض. كما أن لانهيار النظام الصحي وغياب الكشف المبكر والعلاج اللازم دور في تزايد أعداد الوفيات الناتجة عن الإصابة بالمرض.

وهذا ما أكدته وزارة الصحة السورية، من خلال أرقام الوفيات المرضية خلال العام الماضي، والتي احتلت فيها الأورام الخبيثة المرتبة الأولى في قائمة الأمراض الأكثر تسبباً بالوفيات المرضية، بنسبة %50,92، واحتلت المرتبة الثالثة في قائمة الأمراض الأكثر حدوثاً.

ويقول أحد سكان حلب: “أعتقد أن وضع مرضى السرطان في سوريا هو الأصعب على الإطلاق، وخاصة في ظل الوضع المعيشي السيء وغلاء الأسعار وندرة الأدوية اللازمة. حتى الأدوية المسكنة لا توجد إلا في صيدليات معينة وبأسعار خيالية. لم أجد بداً من السفر إلى تركيا لتلقي العلاج المناسب، والذي تقدمه الحكومة لمرضى السرطان مجاناً”.

Advert test
رابط مختصر
2016-11-03
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة البيئة و الصحة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

جريدة البيئة و الصحة