بغاء العلم والفكر

wait... مشاهدةآخر تحديث : الإثنين 7 نوفمبر 2016 - 11:44 مساءً
بغاء العلم والفكر
بغاء العلم والفكر
بروفيسور محمد بن حمود الطريقي ـ رئيس مؤسسة العالم – المملكة العربية السعودية
Advert test

لم يكن الفكر منذ الأزل طاقة محددة موجهة ترتبط بعليات عقلية ممنهجة تقوم على تبادل الأنشطة والتفاعلات؛بل كان وما يزال تعبيرا عن نتاج القدرة على في استثمار طاقة العقل للوصول إلى الحقائق . والفكر عامة متغير مطلق، لا يجارى إلا بوسيلة فكرية تقاربه أو تلتقي معه؛ بل إن تمحيص الفكر ونقده هو في ذاته عمل من أعمال الفكر. أما المهمة العقلية القائمة على ملكة التفكير بكل معطياتها؛ فوظيفتها الأساسية تتجه نحو تمييز الخطأ من الصواب. ويتكئ الإنسان على عقله ليبدع في مجالات العلوم والأدب والفنون، وعليه يعتمد في تطوير عطاءاته ومساعيه في مسالك العلم و التنوير والتنمية.

والعلم الذي يعرف بأنه نشاطإنسانيبحت، للإنسان الفرادة فيه، هونتاججهد الإنسان للتعرف الداخلي: على نفسه أولا، والخارجي:على ما يحيط به من ظواهر،تاركين بذلك لمناهج وأدوات العلم أن تفسر التفاوت في فهمنا الإنساني بين الحكم على الأشياء،وبتقدم العلم واعتماده على التجربة، عكف العلماء والمبدعون على الاختراع والاكتشاف في الحقول كافة، معتمدين على الملاحظة المستمرة والتجربة تلو التجربة. في حين لم يكن فشل تجربة ما سبباً للانتكاس؛ بل كان دافعا للإلحاح المعرفي مذعنين لكلمة ابن سينا الراسخة: “كل ما قرع سمعك، فذره في بقعة الإمكان، حتى يزودك عنه واضح البرهان”.

وحيث تطفو الظواهر بمكنوناتها السلبية والإيجابية مع كل تقدم وحركة سير إنسانية، فقد رافق التقدم العلمي المستمر اغتصاب وسرقة لجهود العلماء والمبدعين البحثية والفكرية والعلمية. ورغم رفض ذوو الضمائر الحية  لهذا النوع من الاغتصاب مهما كانت مبرراته ومسوغاته، إلا أنه استقر كظاهرة،وكان اغتصاب الإنتاج العلمي والفكري للآخرين والاستيلاء عليه أمراً  معروفاً منذ القدم، لكنه كان مستهجناً. فقد ذمّت العرب، على سبيل المثال، سرقة الأشعار التي اشتهر بها بعض السابقين، وبرزت العديد من قضايا السرقات الشعرية والوضع والانتحال. و في هذا قال الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد بيت شعر يبرئ نفسه من هذه المذمة:

ولا أغيرُ على الأشعارِ أسْرِقُها

عنها غَنِيتُ وشرُّ الناسِ من سَرَقا

وعمد السلف إلى التحذير من ارتكاب مثل هذه السرقات،  واستشهد بعضهم بقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم:  ” إذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ‏”‏‏،‏ قَالَ كَيْفَ إضاعتها يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏‏: “إذَا اُسْنِدَ الأمْرُ إلَى غَيْرِ أهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ” ( رواه البخاري) ، ليكون بذلك إسنادالقول أو الفعل إلى صاحبه من أعظم الأمانات. وفيها قال سفيان الثوري : ” إن نسبة الفائدة إلى مفيدها من الصدق في العلم وشكره، وإن السكوت عن ذلك من الكذب في العلم وكفره” .

وبتحول العالم اليوم من اقتصاد المادة إلى اقتصاد المعرفة، بات رأس المال الفكري في ذات أهمية رأس المال المادي؛ مما استدعى حمايته من التطاول أو السرقة والاغتصاب أوالنسخ أوالإتلاف؛ بل ويكاد الأمر اليوم يتعدى ذلك إلى الحاجة لردع ممارسي بغاء العلم والفكر ووقف أنشطة تأجير الأدمغة.

وقد استباح ممارسة البغاء العلمي والفكري اليوم واغتصابهما  كل من غاب عنه الوازع الديني، وأطمأن لغياب الرادع الدنيوي، واستسلم لتشوّه الأخلاق، وكل من تكاسل عن مزاولة النشاط العلمي الجاد ، و كل من أراد أن يزيد من أبحاثه ومؤلفاته بلاعناء حقيقي مستغلا موقعه ونفوذه للإيهام برفعة علمه.

إن بغاء العلم والفكر جريمة أخلاقية مدعاة لإصابة العلماء والباحثين باليأس والانهزام والإحباط  والقنوط. وهي جريمة تقتل الإبداع وتسقط التنافس أرضا، فيزهد النابهون في الإبداع وفي التنافس الشريف لتهدر طاقاتهم،وتضيّع موهبتهم الفكرية العلمية؛ بل وتقضي على ملكة البحث العلمي النزيه .. إنها جريمة تكرس لبناء الوهم .. وهو الوهم الذي لا يفضي إلى تنمية مستدامة، بل إلى مجتمع يستمرئ السرقة ويعتادها.

ونحن اليوم كم بنا من الضمير اليقظ الذي يدعو لردع ممارسات بغاء العلم والفكر واغتصابهما؟ ووقف أنشطة تأجير الأدمغة  من أجل الحفاظ على النزاهة في البحث العلمي خصوصاً في جامعاتنا حيث تصنع الموهبة وينتج الإبداع… إنه الضمير الذي يلتزم جانب الأخلاق في العلم والفكر، ومنع الممارسات غير الأخلاقية من تلفيق وتزوير أو انتحال. كما أنه يدعو للاعتراف بجهود المبدعين وتحفيزهم وصولاً إلى نهضة علمية فذة، وتنمية مجتمعية حقة.

Advert test
رابط مختصر
2016-11-07
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة البيئة و الصحة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

جريدة البيئة و الصحة