السكن الصحي مابين المعايير الدولية والتجارب الخليجية

wait... مشاهدةآخر تحديث : الخميس 5 يناير 2017 - 12:01 صباحًا
السكن الصحي مابين المعايير الدولية والتجارب الخليجية
السكن الصحي مابين المعايير الدولية والتجارب الخليجية
بقلم: محمد مهدي
Advert test

لا يُمثل السكن مكانًا للعيش فيه بقدر ما هو مكانًا للسكينة والطمأنينة والأمان والخصوصية. فالسكن مفهوم أعم وأشمل مما يتداوله الكثيرون ، فهو ليس بمجرد جدران أو حوائط وتصاميم وأشكال من الهندسة المعمارية ، وإنما يُمثل كونه بيئة حضرية مكتملة الأركان ، تعكس بدورها روح الانتماء والعمل من أجل الوطن ، ولذلك فأغلب دول العالم تسعى جاهدة إلى توفير خدمة إسكانية لائقة وملائمة لمواطنيها.

الاشتراطات الدولية للسكن الصحي

وحتى يكون السكن ملائمًا ولائقًا لقاطنيه ، يجب أن يكون محاطًا بكافة أنواع المرافق الخدمية ، وكذلك محميًا من كافة المتغيرات المناخية كالرطوبة والبرودة والحرارة والرياح وغيرها من المتغيرات التي تهدد الصحة العامة. وقد اعتبرت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة ، أن السكن يُشكل العامل البيئي المرتبط على نحو أكثر تواترًا بحالات الوبائيات ، مما يعني أن السكن المعيب أو غير الملائم يرتبط بصورة دائمة بارتفاع معدلات الوفيات والأمراض. وكانت المنظمة نفسها، قد حددت عام 1990م مجموعة من الاشتراطات أو المعايير الصحية للسكن ، تَمَثل أولها فيما يُعرف بالاحتياجات الجسدية للفرد؛ أي تلك الاحتياجات التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالإنسان، مثل: الإضاءة الكافية والجيدة والاحتفاظ بدرجة حرارة مناسبة، علاوة على الحماية من الضوضاء وتوفير أماكن ترفيهية مناسبة للأطفال ، فيما ركزت ثاني معايير السكن الصحي التي أقرتها المنظمة العالمية على الاحتياجات النفسية ، وذلك بضرورة توفير الخصوصية المصحوبة بتوفير حياة سوية للأسرة من أجل أداء واجباتها ووظائفها، وكذلك بيان الإمكانيات الجمالية للمنزل أو الحي ، وذلك لما تُجلبه الصورة الجمالية من راحة نفسية للقاطنين. ويجيء المعيار الثالث، ليحدد طُرق الوقاية من الأمراض باعتبارها أحد الاشتراطات الهامة التي يجب أن تتوفر بالمباني الصحية، وذلك بتوفير تمديدات آمنة للمياه الصحية وتجهيزات الحمامات المناسبة والسليمة، وكذلك توفير تجهيزات مكافحة التلوث والحشرات ، ووسائل حفظ الأطعمة من الفساد، وأخيرًا، يتجسد المعيار الرابع كما حددته منظمة الصحة العالمية في سُبل الوقاية من الحوادث، وذلك من خلال مراعاة إقامة المسكن بحيث لا يتعرض السكان للحوادث أو الحرائق أو الصدمات الكهربائية أو التسمم بالغاز أو السقوط ، علاوة على وقاية الحي من مخاطر السيارات.

انبعاثات الكربون أخطر المشكلات

ويبدو مما سبق، أن السكن مفهوم أعم وأشمل مما يعتقده أو يظُنه الكثيرون؛ إذ يتطلب تحقيقه وفقًا للاشتراطات آنفة الذكر، توافر حزمة معقدة ومتنوعة من العوامل والأبعاد الجسدية والنفسية والوقائية، يقع عبء توفيرها في جزء كبير منها على الحكومات باعتبارها المسئول الأول عن استراتيجية الإسكان الملائم للمواطنين، والتي في حال إخفاقها في المواجهة الصحيحة لتحقيق السكن الصحي تتراكم العوامل السابق ذكرها لتشكل تلال من المشكلات الكمية والنوعية. ومن أخطر هذه المشكلات التي يمكن أن تواجهها الحكومات لتوفير السكن الصحي للمواطنين بخاصة في منطقة الخليج العربي ذات الكثافة النفطية العالية والتنمية الصناعية المتواترة ، هي مشكلة انبعاثات ثنائي أكسيد الكربون أو كما هو شائع ثاني أكسيد الكربون ، وهو مركّب كيميائي من الأكسجين والكربون، ينتج من مصادر عدة على رأسها الوقود الأحفوري الغني بالكربون والهيدروكربون، كالفحم والخث والنفط والغاز الطبيعي. وبحسب النظام العالمي المتوافق لتصنيف وترميز المواد الكيميائية التابع للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، فإن غاز ثنائي أكسيد الكربون ليس من الغازات السّامة، ولكنه كلما ارتفع تركيزه زادت أضراره، فعندما يصل تركيزه إلى 1% قد يشعر بعض الأفراد القريبين من مصادر انبعاثاته بالنعاس وفقدان الوعي التدريجي، أما عندما يصل تركيزه إلى ما يتراوح بين 7% إلى 10% فيمكن الإصابة بالاختناقات ومن ثمّ تزداد احتمالية الوفاة، وهو ما حدث فعليًا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية بالقارة السمراء، وذلك نتيجة التعرض لانبعاثات من غاز ثنائي أكسيد الكربون المحتجز في تجاويف بالقرب من أحد البراكين؛ إذ سُجلت عدة حالات من وفيات أطفال لأسر تقع مساكنهم بالقرب من مصدر هذه الانبعاثات الكربونية. وجدير بالذكر أن أحد مراكز الأمم المتحدة عام 2004م –2006م وضع المملكة العربية السعودية في الترتيب العشرين بنسبة 1.1% من حيث انبعاثات ثنائي أكسيد الكربون الناتج من الوقود الأحفوري (النفط والغاز الطبيعي)، يليها دولة الإمارات في المرتبة 29 بنسبة 0.5%، فيما جاءت الكويت في المرتبة 37 بنسبة 0.4%، وقطر في المرتبة 58 بنسبة 0.2%، وسلطنة عمان بنسبة 0.1% محتلة المرتبة 72، والبحرين في المرتبة 81 بنسبة 0.1%.

اختلاط السكني بالصناعي

ناهيك عما يمكن أن يُشكله اختلاط السكني بالصناعي، أي قرب المناطق الصناعية أو تمركزها داخل الكتل السكنية ، من خطورة لا تقل أهمية عن انبعاثات ثنائي أكسيد الكربون، وذلك نظرًا لما تُحدثه هذه المناطق الصناعية من تركيز حراريّ عالٍ في المناطق السكانية المحيطة من حولها، مما يُسبب ارتفاعًا لنسب الملوثات من الغازات الدفيئة، التي تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة عن معدلاتها الطبيعية، وبالتالي تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري والاحترار العالمي.

التجربة الكويتية

وفي محاولة للحد من ظاهرة انتشار المصانع داخل المدن أو إبعادها عن الكتل السكنية، تحضر دولة الكويت كنموذج عمراني متميز مأخوذ عن المملكة المتحدة البريطانية، حيث مراعاة الاشتراطات الدولية للسكن الصحي، وكذلك تحقيق الفصل بين الأنشطة الصناعية وما ينتج عنها من ملوثات عن المناطق المأهولة بالسكان؛ إذ شملت الأسس الحاكمة في التخطيط العمراني لدولة الكويت، على عدد من المعايير جاء على رأسها ما يُفيد بضرورة مراعاة طبيعة العوامل المناخية والبيئية، وذلك بالتوجيه الملائم للمباني والطرق لمواجهة الرياح المحملة بالأتربة، وكذلك زوايا الشمس وعلاقات الكتل البنائية بالفراغات الداخلية والخارجية، علاوة على محاولة توفير الظلال من خلال مدّ البروزات وعلاقة ارتفاعات المباني بالشوارع والساحات والفراغات ومراعاة طبيعة التربة وطبوغرافية الموقع في التخطيط والتصميم العمراني. هذا بخلاف مراعاة الكويت في تخطيطها العمراني عملية تصميم المباني بشكل يكفل كفاءة عزل حراري عالي من خلال جودة أسلوب ومواد البناء والتشييد واستخدام تقنيات تساعد على خفض استهلاك الطاقة، وكذلك اشترطت أن يتسم تخطيط وتصميم شبكات الطرق والمرور بالسهولة والمرونة وتوفير الأمان للسكان والمركبات وتحديد مداخل سهلة وواضحة للمناطق العمرانية والمجموعات السكنية، علاوة على توفير عوامل الأمان ومرونة الحركة والتنقل لحركة المشاة وخاصة من و إلى الخدمات والمباني العامة (الحدائق- دور العبادة- المستشفيات أو المراكز الصحية- المدارس والجامعات – الأسواق التجارية ..الخ) . بيد أنه، تقرير الوضع الإسكاني للكويت عام 2009م أفاد بوجود بعض المساكن المتاخمة للمنشآت النفطية وغيرها من أماكن إثارة الغبار والتلوث، كمنطقة علي صباح السالم (أم الهيمان سابقاً حوالي 6000 وحدة سكنية)، مما ينعكس سلبًا على قاطني هذه المساكن ويضع مسئولو استراتيجية السكن المطابق للمعايير الصحية الدولية في دائرة المراجعة لهذه المناطق، وذلك من خلال وضع الخطط الممنهجة لتقليل عوادم معامل تكرير البترول ومداخن المصانع، وأن تقوم الهيئة الصحية بمسح صحي شامل لسكان المنطقة حتى يتم حصّر المتأثرين صحيًا، علاوة على دراسة تنفيذ علاجات طويلة المدى وذلك بنقل بعض المصانع القريبة من المنطقة ذات الطبيعة الخاصة إلى مناطق أخرى يتم تحديدها مسبقًا.

دول الخليج والسكن الصحي

وفي إطار من الشمولية ، يمكن القول أن دول الخليج العربية لها تجربة خاصة في محاولة ترسيخ فكرة السكن الصحي ، وذلك إما بتقديم علاجات دقيقة ومستدامة للمناطق السكنية القريبة من المدن الصناعية أو التي لا زال يقبع بها بعض المصانع ، أوعند تدشينها لمناطق سكنية جديدة ، ففي الحالة الأولى جاءت الحلول الخليجية من خلال نقل المصانع التي تقبع داخل المدن السكنية إلى الخارج كما حدث في المملكة العربية السعودية من نقل لمصانع الأسمنت خارج الحزام السكني لمنطقة الرياض ، كما عملت على نقل مناطق صناعية بأكملها نتيجة قربها من الكتل السكنية ، وفي الحالة الثانية أخذت الدول الخليجية في تدشين مناطقها الصناعية الجديدة بعيدًا عن مواضع تمركز السكان ، وذلك التزامًا بمعايير الأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالصحة والإسكان، وهو ما يتضح في النتائج المتقدمة التي تحققها دول الخليج في هذا المجال. وأخيرًا يمكن القول بأن دول الخليج العربية تحرص وتعمل على توفير الرعاية السكنية بشكل متسارع للمواطنين ، وذلك من خلال توفير السكن الصحي الملائم بكافة جوانبه ، وكذلك تقديم علاجات واقعية لواقع تم بالفعل، مما أهلها لتقديم أو نقل تجربتها في الإسكان الملائم إلى جامعة الدول العربية للاستفادة منها على المستوى العربي، وأيضًا نقل التجربة الخليجية في الإسكان إلى آفاق أوسع لتتماشى مع التطورات العالمية في مجالات العمران التنموي الحضاري .

Advert test
رابط مختصر
2017-01-05
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة البيئة و الصحة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

جريدة البيئة و الصحة